ساق البامبو .. السنعوسي وسيمفونية التيه

اخر قرائه من
اقل من
1 دقيقه
قراءت الموضوع

ساق البامبو .. السنعوسي وسيمفونية التيه

يونيو 05, 2013 - 13:04
التصنيف:

 

الدكتورة رباب كساب تكتب عن الرواية الفائزة بالبوكر 

 

كان لقائى الأول بـ"سعود السنعوسى" فى روايته ساق البامبو الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون وكم كان لقاء سعيداً مبهراً، لرواية استحقت الفوز بجائزة الرواية العربية (بوكر).

عزف "السنعوسى" سيمفونية التيه بمهارة يحسد عليها، بسرد سلس شيق يأخذك معه فى رحلة طويلة بتفاصيل دقيقة لا تملها بل تريد أن يستزيد منها وهو يحفر بإزميله دقائق منحوتته.

رسم شخصياته بدقة، فكدت ترى ميندوزا، آيدا، راشد، ميرلا، خولة، جوزافين، غنيمة، غسان، وليد، هند، عواطف، نورية رأى العين، أدخلك عالمه بكل سلاسة بداية من الإختيار الموفق جداً لإسم البطل هذا الإسم الذى يعد أولى مراحل التيه فعيسى إسم معروف فى كل بلدان العالم هو إسم نبى الله عيسى ابن مريم العذراء عند المسلمين، وهو ابن الله عند المسيحيين متفق على وجوده مختلف عليه (كل ما أعرفه أن العالم قد اتفق على أن يختلف عليه). ولقد تعددت أسماء عيسى ولذا بدأ بتعريف نفسه قائلاً: اسمى Jose هكذا يكتب. ننطقه فى الفلبين كما فى الإنجليزية، هوزيه. وفى العربية كما فى الإسبانية، خوسيه. وفى البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب ولكنه ينطق  جوزيه، أما هنا فى الكويت فلا شأن لكل تلك الأسماء بإسمى حيث هو: عيسى).

ولم يكن يكنى بعيسى فقط فقد دخلت من ضمن تسمياته أسماء أخرى تساهم فى مزيد من التيه فهو ال Arabo أى العربى فى الفلبين، وهو الفلبينى فى الكويت.

يدخل بك السنعوسى عالماً غريباً بالنسبة لنا فى مصر إلا أن الطبقة العليا فى مصر وأغلب دول الخليج تعيش فى داخل هذا العالم الذى تدخله العمالة الأسيوية بكثرة فتتشابك العلاقات وتتداخل وينتج عنها مزيداً من الأفراد الخليطة التى تلفظها المجتمعات العربية وتجد نفسها فى كثير من الأحيان فى وضع عيسى راشد الطاروف، أو أنها تنتهى قبل أن تولد وتؤلمك قسوة الوصف الذى تناول به السنعوسى الأمر قائلاً: تتحول الفتيات هناك إلى مناديل ورقية، يتمخط بها الرجال الغرباء .. يرمونها أرضاً .. يرحلون .. ثم تنبت فى تلك المناديل كائنات مجهولة الآباء، نعرف بعضهم بالشكل أحياناً والبعض الآخر لا يجد حرجاً فى الإعتراف بذلك. وصف شديد القسوة لم يخرج إلا ممن ذاق وبال الأمر ولأن عيسى يعرف ما كانت تردده أمه (كل شىء يحدث بسبب ولسبب) فقد أوعز كل ما يحدث له وعائلته وبعض الآخرين ممن يعانون نفس معاناته إلى الفقر الذى أدى بخالته إلى عالم الرذيلة وأمه إلى عالم الخدمة فى دول الخليج، فما نالها غير ابن تائه وآخر فقد عقله نتيجة إهمال الخالة التى تركته الأم "جوزافين" فى رعايتها، هذا الأخر الذى حسده عيسى على فقدان عقله فليس بإستطاعته أن يتوه مثله، ليس بإستطاعته أن يفكر، أن يصطدم بالعالم الذى اصطدم به عيسى.

الأم جوزافين التى كان حلمها أن تتعلم وتعمل فى وظيفة محترمة إلا أن الفقر الذى جعل من أختها عاهرة تمل إنتهاكها كل يوم فتأتى للدنيا بطفلة تصر على وجودها ليرفضها العمل الذى ينتهكها كل ساعة وبذلك ينقطع عن الأسرة مصدر دخلها الوحيد بإصرار آيدا على الإحتفاظ بطفلتها، كان على جوزافين أن تسير نفس طريق شقيقتها الكبرى لكن القدر اتخذ لها طريقا آخر لا يقل وعورة ولكنه أخف وطأة.

وهناك فى الكويت كان لقاءها براشد الابن الوحيد للأسرة التى كانت تعمل لديها، الابن الذى يمتهن الكتابة ويغرق فى الكتب ولأنها كانت ذات يوم تقرأ اقتربت منه ومن عالمه كانت تستمع له حتى جاء اليوم الذى اقترن فيه بها وكانت النتيجة عيسى، الغريب أن راشد أقدم على الفعل وكأنه ينتقم من عائلته التى منعته الإقتران بمن يحبها، فانتقم دون أن يدرى من مخلوق لا ذنب له.    

ساق البامبو التى يمكن إقتلاعها من أرض وزرعها فى أرض جديدة فيمكنها النمو هكذا تمنى عيسى (لو كنت مثل شجرة البامبو لا إنتماء لها. نقتطع جزء من ساقها .. نغرسه، بلا جذور، فى أى أرض .. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة .. تنمو من جديد .. فى أرض جديدة .. بلا ماض .. بلا ذاكرة .. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته .. كاوايان فى الفليبين .. خيزران فى الكويت .. أو بامبو فى أماكن أخرى.)  الذى ظن أنه أخذ من أرضه ونبت فى أرض أخرى ويمكنه العودة من جديد حيث جذوره الأولى لكن الأمر لم يكن بتلك البساطة ولم يكن حلمه بهذه السهولة حين وصل إليه فقال: تتكشف لنا حقيقة أحلامنا كلما اقتربنا منها عاماً بعد عام، نرهن حياتنا فى سبيل تحقيقها تمضى السنون، نكبر وتبقى الأحلام فى سنها صغيرة، ندركها.. نحققها .. وإذا بنا نكبرها بأعوام .. أحلام صغيرة لا تستحق عناء انتظارنا طيلة تلك السنوات. هكذا يلخص عيسى حاله بعد أن وصل لحلمه الذى عاش لأجله.

التيه الذى عاشه عيسى ليس تيه الوطن فحسب بل هو تيه الدين والجذر عيسى الذى رأى أن (من كان بوسعه أن يقبل بأن يكون له أكثر من أم  سوى من تاه فى أكثر من إسم، أكثر من وطن، أكثر من دين؟!).

عاش يبحث عن وطنه فى غياب الأم والأب اللذان اشتركا فى وجوده وتركاه فى حيرته (لو أنهما اتفقا على شىء واحد .. شىء واحد فقط .. بدلا من أن يتركانى وحيداً أتخبط فى طريق طويلة بحثاً عن هوية واضحة الملامح)، فلا وطن له، ولا دين، فلا هو مسلم كأبيه، ولا مسيحى كأمه، ففى الوقت الذى بدأت فيه حياته بتكبير أبيه فى أذنيه كعادة المسلمين نجد أمه حين عادت به إلى الفلبين تحمله إلى كنيسة الحى الصغيرة وتقوم بتغطيسه فى الماء المقدس فى طقس تعميده كاثوليكيا، وحين كبر لم يتمكن من أن يكون بوذيا كصديقه، عاش يتلمس الله فى المعبد، الكنيسة، فى المسجد، يجده فى كلمة طيبة، فى ابتسامة، فى معاملة حسنة ويفقده حين يجد من دعاه إليه كفر به مثلما عادت آيدا من إيمانها لحياتها التائهة  كأن الدين كان رداء تلبسه ووقتما ضاقت بها الدنيا خلعته، لم يجده فى انتهاكات جماعة أبو سياف فى مندناو فلم يكن الدين حقيقة ولا هؤلاء الذى تسببوا فى مقتل "مصطفى العقاد" مخرج فيلم الرسالة الذى تعرف على الإسلام من خلاله، ولا هم لابو .. لابو سلطان جزيرة ماكاتان.

رغم تعرض السنعوسى للتيه بكافة أشكاله من خلال بطله عيسى فقد جاء كلامه عن مشكلة (البدون) على استحياء مر عليها دون أن يغوص فيها من خلال مشكلة هند وغسان فبين أن رفض عائلة هند زواجها من صديق أخيها لأنه من (البدون) هؤلاء الذين يعيشون فى الكويت بلا جنسية، كذلك حق المرأة فى ممارسة الحياة السياسية مرة حين دخلت العمة هند الإنتخابات ومرة حين تحدثت جوزافين مع راشد عن رئيسة الفلبين (كورازون آكينو) التى أصبحت أول رئيسة للفلبين بعد أن أسقطت المعارضة الديكتاتور (فرديناند ماركوس) بينما يرفض المجتمع الكويتى حتى مناقشة الفكرة آنذاك. ولن أعتبر ذلك عيبا فلقد كان التركيز على مشكلة عيسى هو الأهم فجميعهم فروع لمشكلة النص الأساسية.

تلك الدائرة التى بلا آباء بداية من الجد ميندوزا، مرورا بميرا التى آمن بحبها وتحمل تيهها ثم هو لكن ساق البامبو عادت إلى حيث ترعرعت ونمت، اقترنت بمن أحبت، كتبت بلغتها التى تعرفها استشهاداً بمحرر الفلبين خوسيه ريزال الذى قال (إن الرجل الذى لا يحب لغته الأم أسوأ من حيوان أو سمكة نتنة).  كان لافتاً للنظر تلك الجمل التى اختارها السنعوسى ليفتتح بها فصول روايته لخوسيه ريزال فى دلالات قوية لما يريد الحديث عنه فكان مفتتح الجزء الأول عيسى قبل الميلاد (لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد) بينما فى مفتتح الجزء الثانى عيسى بعد الميلاد (إن الذى لا يستطيع النظر وراءه إلى المكان الذى جاء منه سوف لن يصل إلى وجهته أبدا). وفى الجزء الثالث مرحلة توهة الدين أو التيه الأول افتتحه السنعوسى بمقولة خوسيه (الشك فى الله يعني الشك فى ضمير المرء، وهذا يؤدى إلى الشك فى كل شىء)، وفى التيه الثاني افتتحه بالعبارة (تسلط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جبن الآخرين)، وحين كان على هامش الوطن افتتح الفصل الخامس بعبارة (حياة ليست مكرسة لهدف حياة لا طائل من ورائها، هى كصخرة مهملة فى حقل بدلا من أن تكون جزءا من صرح).

وأخيراً.. اختتم روايته بعيسى إلى الوراء يلتفت ومفتتح بلسان البطل ذاته باسمه فى وطن أمه (هوزيه ميندوزا) (إن لفظت الديار أجسادنا قلوب الأصدقاء لأرواحنا أوطان).